ISMAIL
STRABISMUS ACADEMY
Learning Without Limits

ARTICLES & INSIGHTS

حين نظر ابن النفيس إلى العينين:

الفصل المنسي في تاريخ الحَوَل

متخصص في عيون الأطفال والحَوَل

حين يُذكر ابن النفيس (1210–1288م)، يتجه الذهن عادةً إلى إنجازه الأشهر في وصف الدورة الدموية الرئوية Pulmonary Circulation. لكن لهذا العالم العربي صفحة أخرى أقل شهرة، وقريبة جدًا من تخصص طب العيون والحَوَل؛ فقد خصص للحَوَل فصلًا كاملًا في كتابه «المهذب في الكحل المجرب»، يكشف عند قراءته اليوم عن مستوى لافت من الملاحظة السريرية ومحاولة فهم اضطرابات حركة العين والرؤية المزدوجة.

من دمشق إلى القاهرة

نشأ علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي، المعروف بابن النفيس، في بلاد الشام، وتلقى تعليمه الطبي في دمشق، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث مارس الطب وواصل مشروعه العلمي.

ولم يكن طبيبًا في مجال واحد؛ بل كان عالمًا موسوعيًا كتب في الطب والتشريح وطب العيون، كما ألّف في الفقه والحديث والفلسفة واللغة. وكان من أبرز سمات منهجه أنه لم يكتفِ بتكرار ما وصل إليه من السابقين، بل ناقش وراجع واستدل، وهي الروح العلمية التي ظهرت بوضوح في أعماله الطبية.

ابن النفيس والحَوَل

عند العودة إلى النص الأصلي المحقق من «المهذب في الكحل المجرب»، وتحديدًا الفصل الأول «في الحَوَل» من الكتاب الرابع، نجد صورة أغنى مما قد توحي به المراجع المختصرة.

بدأ ابن النفيس بتحليل اتجاه انحراف العين، فميّز ثمانية اتجاهات: أربعة بسيطة أفقية أو رأسية، وأربعة مركبة تجمع بين اتجاهين. وربط الانحراف البسيط بعمل عضلة، والمركب باشتراك عضلتين متجاورتين.1 وبلغة العصر يمكن أن نرى في ذلك محاولة مبكرة لتحليل الانحراف إلى Horizontal and Vertical Components وربطه باتجاه عمل عضلات العين.

كما جعل التمييز بين الحَوَل الخِلقي والمكتسب محورًا أساسيًا، وناقش تزامن عمل العضلات المتقابلة Co-contraction، ووصف حالات شديدة التقييد تصل إلى ثبات العين، كما فرّق بين مجرد انحراف العين وبين صعوبة حركتها.1

لم تكن أمامه أجهزة تصوير، ولا Prism Cover Test، ولا Forced Duction Test، ولا Eye Tracking؛ كانت أداته الأولى هي عين الطبيب وقدرته على الملاحظة والتفكير.

لم تكن العين مجرد عضلات

الأكثر إثارة أن ابن النفيس لم يتوقف عند اتجاه العين وحركتها، بل انتقل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف ترى العينان صورة واحدة، ومتى يحدث الازدواج؟

ناقش توافق الصورتين وانفصالهما وتداخلهما الجزئي، ووصف كيف يمكن لاختلال العلاقة بينهما أن يؤدي إلى Diplopia أو اختلاط الصور.1 كما أشار إلى أن النتيجة البصرية لا تتحدد بموضع العين وحده، بل ترتبط أيضًا بالمسار البصري المركزي.

وبلغة علم الحَوَل الحديث، تقترب هذه الأسئلة من موضوعات مثل Sensory Fusion، Corresponding Retinal Points، Diplopia وConfusion. ولا يعني ذلك أن ابن النفيس عرف هذه المفاهيم بصورتها العصبية الحديثة، وإنما أن الأسئلة السريرية التي طرحها قبل قرون أصبحت لاحقًا موضوعًا لعلوم كاملة في الرؤية الثنائية.

وتناول أيضًا ظواهر أخرى نعرفها اليوم باسم Aniseikonia وMonocular Diplopia وAfter-image، إلى جانب ملاحظات على الاستجابة الحدقية.1

من وضع الرأس إلى حياة المريض

ومن أجمل ما يكشف الحس السريري عند ابن النفيس أنه لم ينظر إلى الحَوَل باعتباره مجرد شكل غير طبيعي للعين.

فقد وصف أثر الانحراف الرأسي في قدرة المريض على رؤية الأرض، وكيف قد يضطر إلى تغيير وضع رأسه، وإلا تعثر فيما لا يراه أمامه.1

إنها ملاحظة تبدو بسيطة، لكنها تعكس فكرة ما زالت أساسية في طب الحَوَل: نحن لا نعالج زاوية انحراف فقط، بل نعالج وظيفة المريض وحياته اليومية.

الطفل أولًا

وتبرز ملاحظة أخرى شديدة الأهمية عندما يتحدث ابن النفيس عن الحَوَل الخِلقي، إذ ربط إمكانية علاجه بمرحلة الطفولة.1

لم يكن يعرف بالطبع ما نعرفه اليوم عن Critical Period، Neuroplasticity، Amblyopia وتطور Binocular Vision، ولذلك لا ينبغي أن ننسب إليه هذه المفاهيم الحديثة. لكن ملاحظته السريرية قادته إلى إدراك قيمة التدخل في سن مبكرة.

بل وصف طريقة لجذب انتباه الطفل باستخدام مصابيح وخيوط ذات ألوان واضحة توضع في اتجاه مدروس بالنسبة إلى الانحراف، حتى يحاول الطفل تثبيت نظره وتحريك عينه نحوها.1 ويمكننا اليوم قراءة ذلك بوصفه شكلًا تاريخيًا مبكرًا من Directional Fixation Training، مع الاحتفاظ بالفارق الكبير بينه وبين الـOrthoptics الحديثة.

أما في الحَوَل المكتسب، فقد وجّه العلاج نحو السبب المسبب للانحراف، لا إلى العين وحدها.1 وهي قاعدة ما زالت مألوفة لأي طبيب يواجه حَوَلًا مكتسبًا قد يكون وراءه مرض عصبي أو جهازي.

إرث لا ينبغي أن يتحول إلى حكاية

تكمن قيمة هذه الصفحات في أنها تسمح لنا بالفخر بتاريخنا من دون مبالغة.

لسنا بحاجة إلى أن ننسب إلى ابن النفيس مصطلحات أو اكتشافات لم تكن موجودة في عصره. يكفي أن نقرأ ما كتبه بالفعل: طبيب عربي في القرن الثالث عشر يراقب اتجاه العين، ويفكر في عمل عضلاتها، ويفرق بين الحَوَل الخِلقي والمكتسب، ويناقش ازدواج الرؤية واتحاد الصورتين، ويلاحظ وضع الرأس، ويؤكد أهمية علاج الطفل مبكرًا.

هذا وحده إرث يستحق أن يعرفه أبناؤنا.

رسالة إلى جيل اليوم

الفخر بابن النفيس لا ينبغي أن يكون احتفالًا بالماضي فحسب، بل تكليفًا للمستقبل.

لقد امتلك هو الملاحظة والسؤال والجرأة على التفكير، بينما نمتلك نحن اليوم ما لم يكن متاحًا له: Advanced Imaging، Eye Tracking، Artificial Intelligence، Big Data، والتجارب السريرية ووسائل التواصل العلمي مع العالم كله.

ولهذا لا ينبغي أن يكون سؤال الجيل العربي الجديد فقط:

ماذا قدّم أجدادنا للعلم؟

بل أيضًا:

ماذا سنضيف نحن؟

نحتاج إلى جيل يعرف أسماء علمائه ويفخر بهم، لكنه لا يتوقف عند أسمائهم؛ جيل يقرأ، ويسأل، ويبحث، وينقد، ويبتكر، ثم يضيف صفحة جديدة إلى الكتاب الذي بدأه من سبقوه.

لقد كتب ابن النفيس صفحته.

والصفحة التالية... مسؤوليتنا نحن.

المصادر

  1. ابن النفيس، علي بن أبي الحزم القرشي. المهذب في الكحل المجرب. تحقيق محمد ظافر الوفائي ومحمد رواس قلعة جي. الرباط: ISESCO؛ 1988. الكتاب الرابع، الفصل الأول «في الحَوَل»، ص 439–444.
  2. Wafai MZ. Contributions of Arab and Muslim Oculists to Ophthalmology. Edited by Danna Ghafir; reviewed and introduced by Karim F. Tomey. Beirut: Dar An-Nafaes; 2016.
  3. Abudawood GA, Alshareef R, Alghamdi S. Arab and Muslim scientists and their contributions to the history of ophthalmology. Saudi J Ophthalmol. 2021;34(3):198–201. doi:10.4103/1319-4534.310407 IF: 1.1 Q4 B4.
  4. Hirschberg J, Lippert J, Mittwoch E. The Arabian Ophthalmologists. King Abdulaziz City for Science and Technology; 1993.
  5. Loukas M, Lam R, Tubbs RS, Shoja MM, Apaydin N. Ibn al-Nafis (1210–1288): The first description of the pulmonary circulation. Am Surg. 2008;74(5):440–442. doi:10.1177/000313480807400517.
  6. West JB. Ibn al-Nafis, the pulmonary circulation, and the Islamic Golden Age. J Appl Physiol. 2008;105(6):1877–1880.
العودة إلى Articles & Insights ←